عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
150
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فقلت يا تحفة ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق ، فقالت : آنستى بقربه وأوحشنى من غيره ، فقلت لها مات ابن المثنى ؛ فقالت : رحمه اللّه تعالى لقد أعطاه مولاه من الكرامات ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، وهو بجوارى في الجنة فقلت : جاء مولاك الذي أعتقك معي ، فدعت بدعاء خفى ، فلم يكن بأسرع ما عاينتها تلقاء الكعبة ميتة ، فلما نظرها سيدها لم يتمالك أن سقط على وجهه ، فحركته فإذا هو قد قضى نحبه ، فأخذت في جهازهما ودفنتهما رحمة اللّه تعالى عليهما . ( الحكاية الثالثة والعشرون بعد المئة : عن أبي هاشم المذكور رحمه اللّه تعالى ) قال : أردت البصرة ، فجئت إلى سفينة أكتريها ، وفيها رجل ومعه جارية ، فقال الرجل : ليس ههنا موضع لك ، فسألته الجارية أن يحملني ؛ ففعل ، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء ، فوضع فقال : ادعوا ذلك المسكين ليتغدى معنا ، فجئت على أنى مسكين ، فلما تغدينا قال : يا جارية هات شرابك ، فشرب وأمرها أن تسقيني ، فقلت : يرحمك اللّه إن للضيف حقا ، فتركني ، فلما دب فيه النبيذ ، قال : يا جارية هات عودك ، وهات ما عندك ، فأخذت العود ، فغنت وقالت : وكنا كغصنى بانة ليس واحد * يزول على الحالات عن رأى واحد تبدل بي خلا فخاللت غيره * وخليته لما أراد تباعدى فلو أن كفى لم تردني أبنتها * فلم يصحبنها بعد ذلك ساعدى ألا قبح الرحمن كل مماذق * يكون أخا في الخصب لا في الشدائد فالتفت إلى الرجل وقال : أتحسن مثل هذا ؟ فقلت : أحسن خيرا منه ، فقرأت ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) فجعل الشيخ يبكى ، فلما انتهيت إلى قوله تعالى ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) قال يا جارية اذهبي فأنت حرة لوجه اللّه تعالى ، وألقى ما معه من الشراب في الماء وكسر العود ، ثم عاد إلى فاعتنقنى وقال : يا أخي أترى أن اللّه يقبل توبتي ؟ فقلت إن اللّه يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وواخيته في اللّه ، واصطحبنا بعد ذلك أربعين سنة حتى مات ، فرأيته في المنام فقلت له : إلى ماذا صرت ؟ فقال إلى جنة المأوى ، فقلت بماذا ؟ قال بقراءتك علىّ ( وَإِذا